خاص الاستشارية بقلم البروفسور عبدالرؤوف سنو.. لماذا استقال الحريري

hezb-hariri

بقلم.. البروفسور عبدالرؤوف سنو

سعد الحريري منذ أن أتى إلى الحكم وريثاً لوالده وبإملاء سعودي، وبفمه ملعقة من الذهب، لا يفقه السياسة، وليس لديه استراتيجية تجاه المسائل أو القوى السياسية اللبنانية. فتحالف مع حزب الله العام 2005 في الانتخابات البرلمانية، وهو يشعر في داخله أن هناك دورًا لحزب الله في الجريمة التي أودت بوالده الشهيد؛ على الأقل بوقوف الحزب إلى جانب بشار الأسد، وفاءً لسورية. كما كان يعرف أن الحزب ينفذ أجندة إيرانية. فـ “طنّش” عن الموضوع من أجل الكرسي التي احتلها العام 2009، و”طنّش” عن  أزلال بيروت في أيار 2008. و”طنّش” أكثر، عندما ذهب إلى سورية بُعيد تشكيل حكومته مطلع العام 2010 معتذرًا من بشار الأسد عن كل الاتهامات التي وجهها إليه في شأن اغتيال والده، وكل ذلك بأمر من الملك عبد الله الذي اعتقد، عن خطأ، أن التقرب من الأسد، سعوديًا وحريريًا، سيجعل الأخير يتخلى عن إيران وينتقل إلى المحور السعودي. ثم فرّ الحريري من لبنان بين الأعوام 2011 و2016، تاركًا “شعبه” بلا “قائد” بحجة الخوف على حياته من الاغتيال. فكان يتزلج على جبال سويسرا مترنّحًا بالشال الأحمر، بينما يتعرّض “شعبه” للإزلال في لبنان. وفي الوقت نفسه، نصب أولاد عمته بهية، على رأس تيار المستقبل، جاعلًا من حزبه مجرد إقطاع عائلي. فلا وجود لقيادات سنيّة أخرى، غير أحمد ونادر وبهية، وبالطبع جنابه الذي لا بديل منه.

وبعد استقالة حكومة تمام سلام، تراجع الحريري حسم الأمور ضد حزب الله، وهو لم يهيء لذلك يومًا، منذ اجتياح بيروت في أيار 2008. فوافق على أحد مرشحي الحزب لرئاسة الجمهورية، وتسويغه لذلك بوجوب الحفاظ على الوطن بعد أن استفحل الفراغ الرئاسي، مع أنه عرقل انتخاب عون لمدة سنتين. فاقترح سليمان فرنجية أولاً للرئاسة، وقام السفير السعودي عسيري يروجه لدى السياسيين. وعندما تمسك حزب الله بموقفه: عون أو بقاء الفراغ، عقد الحريري تسوية مع الحزب أتت بعون إلى قصر بعبدا، وبنفسه إلى السراي الحكومية، وكل ذلك بمباركة السعودية.

وطوال الثورة السورية، كان الحريري ينتقد حزب الله وتدخله في القصير، وبعدها في حمص ودمشق وحلب، وبعد ذلك في البحرين واليمن، والكويت قبل أيام وفي خطاب الاستقالة، وفي الوقت ذاته، كان يصر على عقد الاجتماعات الأمنية الدورية مع الحزب بحجة عدم تصادم الطائفتين السنية والشيعية. ثم شكل حكومته العام 2016، في ذروة تدخل حزب الله في سورية وحسم الأمور لصالحه. هذا التناقض، بين المصالح الفئوية والمصلحة الوطنية، أفقده مؤيدين من السنّة، كما أفقده فشله في إدارة تركة ابيه في انهيار أوجيه السعودية وتشريد أيناء آلاف العائلات اللبنانية من دون رواتب وتعويضات، ولا ننسى انحسار الوجود السنّي في إدارات الدولة اللبنانية.

وتأتي هذه الاستقالة في ذروة الضغط الأميركي على الحكومة اللبنانية لمحاصرة حزب الله والابتعاد عنه. وقد يكون قرار الحريري أتي انسجامّا مع الضغوط الأميركية والسعودية على حزب الله. ولكن أميركا لم تعمل يومًا لمصلحة أحد، وسوى نفسها.

لم يوفق الحريري في اختيار اللحظة المناسبة للاستقالة، ولا في المكان الذي أعلن منه استقالته، ولا في مضمون الاستقالة. فتوقيت الاستقالة غير مبرر، ولم يستجد أي شيء يستعدعي ذلك. أما إعلان الاستقالة من السعودية، فهو قمة الخطأ، ويدل على التبعية المذهبية. ومضمون الاستقالة لا يأتي بجديد، لأنه ما سمعناه من الحريري من السعودية هو الأسطوانة التي يرددها دائما في لبنان حول حزب الله وإيران.

قرار الحريري ليس قراره، وهو يُدخل لبنان في نفق مظلم، لأنه لا يخدم المصلحة الوطنية، والتعايش بين السنّة والشيعة، في وقت يسود فيه التوتر والاضطراب في المنطقة. ولن يستيطع أحد، برأينا، أن يشكل حكومة جديدة في الأجواء الداخلية والإقليمية. وسوف يعمد الحريري ومعه أبواقه إلى شد العصب السنّي لاستعادة شعبيته، وربما تشكيل كتلة سياسية جديدة، تمتد من الشمال إلى صيدا. ولكن هذا لن يحلّ الأمور، وسوف ينجم عنه توتر مذهبي وطائفي، في وقت تقرع فيه طبول الحرب في المنطقة وتزداد فيه الضغوط على حزب الله.

عبدالرؤوف سنو/ عميد كلية التربية السابق في الجامعة اللبنانية

نوفمبر 4th, 2017

الوسوم:, , ,

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>