لماذا يتوقع الخبراء تصاعد الأزمات الدولية؟

1501935748_4-804

محمد عبد الله يونس – مركز المستقبل

تهيمن على تصورات خبراء وباحثي العلاقات الدولية توقعات غير متفائلة عن “حالة العالم” في عام 2018، إذ كشفت قوائم الكتب الأكثر تأثيرًا وترشيحات كبار النقاد التي نشرتها بعض المؤسسات العالمية، مثل صحف: فايننشيال تايمز، والجارديان، ومجلة الإيكونوميست، والفورين أفيرز، والمراكز البحثية العالمية؛ عن صورة لعالم مضطرب يموج بالتحولات المتسارعة وغير المتوقعة، والصراعات الداخلية، وتهديدات صراعات القوى الكبرى، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مع تصدع الدعائم المؤسسية والقيمية لحالة الاستقرار التي سادت على مدار عقود ممتدة.

اضطراب النظام العالمي: 

كانت بداية عام 2017 صادمة بإعلان ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الأمريكية والدبلوماسي الأمريكي السابق، نهاية النظام العالمي الذي تشكل منذ نهاية الحرب الباردة وبداية “عصر الفوضى” الذي تسوده التهديدات والتحولات السريعة وغير المتوقعة في كتابه المعنون “عالم تكتنفه الفوضى: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم”.

“لم يعد النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة قابلًا للاستمرار بعد انهيار أركانه الأساسية”، كانت هذه هي المقولة المركزية التي تأسست عليها أطروحة هاس. ويرصد الكتاب عملية التفكيك التي شهدتها أركان النظام العالمي ودعائمه مع انتشار القوة بين عدد كبير من الفاعلين في عصر العولمة، وصعود الظواهر والتهديدات العابرة للحدود، مثل: الأوبئة، والتهديدات الإرهابية، والقرصنة البحرية، بالإضافة لتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وأزمات الثقة بين الحلفاء، وتزايد النزاعات المسلحة، وعدم الاستقرار الداخلي الذي وصلت تجلياته إلى الولايات المتحدة.

ويدعو هاس إلى تأسيس “نسخة جديدة من النظام العالمي” (World Order 2.0)، يقوم على إعادة إنتاج المبادئ التقليدية التي حكمت النظام الدولي وكفلت له الاستقرار، مثل: السيادة، والشرعية، وتوازن القوى، وفي هذا النظام تركز الدول ذات السيادة على أداء واجباتها تجاه النظام الدولي بقدر ما تسعى لتحقيق مصالحها.

وتدعو آن ماري سلوتر في كتابها “رقعة الشطرنج والشبكة: استراتيجيات الاتصال في عالم شبكي” إلى ضرورة إعادة هيكلة التفاعلات الدولية كي تسودها علاقات التعاون والمكاسب المتبادلة (Win-Win Relations) والاستفادة من الشبكات العالمية في تحفيز التعاون وتحجيم المباريات الصفرية (Zero- Sum Games) التي تحكم علاقات القوى الكبرى.

معضلة “عقيدة ترامب”: 

على نقيض الدعوات الليبرالية لآن ماري سلوتر، كان الشعار الرئيسي الحاكم للسياسة الخارجية الأمريكية في العام الأول من حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو “أمريكا أولًا”، تعبيرًا عن تبنيه لسياسات الأحادية (Unilateralism)، وتنصله من التزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها التقليديين.

وقد اتضحت معضلة التحالفات الأمريكية بوضوح في كتاب توماس رايت “كل التدابير ما عدا الحرب: التنافس على القرن الحادي والعشرين ومستقبل القوة الأمريكية”، حيث أشار رايت إلى أن التحولات في السياسة الأمريكية تسببت في عدم الاستقرار في النظم الإقليمية (Regional Orders) بسبب تراجع فاعلية الدور الأمريكي في دعم الاستقرار في هذه الأقاليم، وتوتر علاقات الولايات المتحدة بحلفائها، وتراجع جاذبية النموذج الليبرالي الديمقراطي الذي يعد الدعامة الأساسية للدور الأمريكي في العالم.

وعلى الرغم من مرور عام واحد فقط على رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة، إلا أن كمًّا ضخمًا من الكتب قد ركز على تأثيرات ترامب على السياسة الأمريكية. فمثلًا ركز تشارلي لادرمان وبرينان سيمز على “تشكيل رؤية العالم” لدى دونالد ترامب، خاصة القومية والشعبوية والانفرادية، والتمرد على القواعد والمؤسسات، وعدم الإيمان بالتحالفات، والإيمان بالقوة، والإعجاب بالقادة الأقوياء والمؤثرين مثل “فلاديمير بوتين”، واعتمد الكتاب على تحليل اللقاءات الصحفية لترامب وخطاباته قبل توليه الرئاسة.

ويُرجع جاشوا جرين جانبًا كبيرًا من رؤى ترامب وقناعاته في مجال السياسة الخارجية إلى تأثير مستشاره السابق لشئون الأمن القومي ستيف بانون، ففي كتابه “صفقة الشيطان: ستيف بانون ودونالد ترمب وعاصفة الرئاسة”، أشار جرين إلى أن ترامب لم يكن ليفوز بالرئاسة لولا بانون، وأن الأفكار التي عبر عنها ترامب خلال حملته الانتخابية مثل شعار “أمريكا أولًا”، واستعادة المكانة الأمريكية في العالم، والعداء للاتجاهات الليبرالية؛ ترجع لتأثير بانون الطاغي عليه في هذه المرحلة، بالإضافة إلى متابعة ترامب لموقع “برايتبارت” اليميني المتطرف الذي يُديره بانون.

ووصلت حدة الانقسامات والاستقطاب في الولايات المتحدة إلى تطلع بعض الكتاب إلى مرحلة ما بعد ترامب، وهو ما تجلى في كتاب “أمة واحدة بعد ترامب: دليل للحائرين وخائبي الأمل واليائسين ومن لم يتم ترحيلهم بعد” الذي يطرح أفكارًا حول السياقات المجتمعية التي أدت لفوز ترامب بالرئاسة للإجابة على سؤال “ما الذي حدث؟” على حد تعبير كتاب “هيلاري كلينتون”، ثم ينخرط الكتاب في الجدل حول كيفية استعادة الأمريكيين للسيطرة على السياسة والتصدي للتيارات اليمينية المتطرفة. 

انحسار مد العولمة: 

أثار مصير العولمة بعد صعود التيارات القومية والشعبوية التي تنادي بالانغلاق والحمائية جدلًا بين عدد كبير من المؤلفين خلال عام 2017، ففي كتاب “عالم جديد خطير: نهاية العولمة وعودة التاريخ”، أشار ستيفن كينج إلى وجود ارتداد عن الليبرالية على مستوى العالم، وصعود للسلطوية السياسية منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وهو ما يرتبط بحالة الإنهاك التي تمر بها الولايات المتحدة التي تسببت في تراجعها عن أداء دورها بالتوازي مع أزمة البقاء التي يمر بها الغرب بصفة عامة، وهو ما أكده بيل إيموت في كتابه “مصير الغرب” الذي ركز على تأثيرات صعود اليمين المتطرف وانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي وأزمة الديون الأوروبية.

ويطرح فينبار ليفزي تفسيرًا مغايرًا لنهاية العولمة في كتابه “من العالمية إلى المحلية: صناعة الأشياء ونهاية العولمة”، حيث يرى أن التحولات التكنولوجية وصعود الطباعة ثلاثية الأبعاد، والاعتماد على الروبوتات في الصناعة، سوف تدفع الشركات للتصنيع داخل الدول التي يتم فيها تسويق المنتجات بتكاليف منخفضة، مع تراجع جاذبية عوامل رخص الأيدي العاملة مما سيؤدي لنهاية التقسيم العالمي للعمل، وتصدع نموذج “مصنع آسيا” (Asia Factory) الذي قام على انتقال الشركات العالمية للتصنيع في الدول الآسيوية، وهو ما يطلق عليه العودة للنطاق الجغرافي الأقرب (nearshore) بالتناقض مع اتجاهات نقل التصنيع للخارج سابقًا (offshore).

 تفسيرات صعود الشعبوية: 

ركزت حركة النشر في الدول الغربية خلال عام 2017 على أسباب صعود الشعبوية في الولايات المتحدة والدول الغربية، إذ يؤكد كتاب “ما بعد أوروبا” لإيفان كريستيف أن صعود الخطاب الشعبوي اليميني في أوروبا ارتبط بحالة “العولمة المفرطة” (Hyperglobaliztion) التي تبنتها الحكومات الأوروبية وتسببت في أضرار اقتصادية للطبقة الوسطى في الدول الأوروبية، واعتبر الشعبوية احتجاجًا من هذه الطبقات على النخب السياسية، كما أشار إلى “تأثير العدوى” (Contagion Effect) لتفسير انتشار صعود التيارات اليمينية. واعتبر الكتاب الشعبوية تهديدًا لبقاء المشروع الأوروبي، خاصة في ظل العداء للاتحاد الأوروبي وسياساته بين التيارات اليمينية.

ويرى ستيف ريتشارد أن صعود الشعبوية كان حتميًّا، إلا أنه يتنبأ في كتابه “صعود الدخلاء: لماذا ضلت سياسات التيار السائد طريقها؟” بحدوث انحسار سريع وتراجع للتيارات اليمينية المتطرفة عقب وصولها للسلطة لأنها لا تملك برامج سياسية واضحة أو إجراءات محددة لتنفيذ أجندتها، كما أن شعبيتها تأسست فقط على معارضة وانتقاد “التيار السائد”، كما أن وصولهم للسلطة يكشف لهم عن القيود المؤسسية والقانونية الصارمة التي تفرضها النظم الديمقراطية على شاغلي السلطة مما يعوق تطبيق أفكارهم الراديكالية.

وفي المقابل، يشير إدوارد لوس في كتابه “تراجع الليبرالية الغربية” إلى أن حالة “الارتداد الديمقراطي” ليست عرضًا مؤقتًا، بسبب الخلل في النموذج الليبرالي، وانفصال التيارات الليبرالية عن المواطنين في دولهم نتيجة دفاعهم المستميت عن العولمة واقتصاديات السوق وتوظيفهم للغة باردة غير تفاعلية تم استخلاصها من قواميس المستشارين الإداريين وشركات الاستشارات وحوارات منتدى دافوس الاقتصادي، مما دفع قطاعات المهمشين (Left Behind) لعقابهم انتخابيًّا بتأييد اليمين، ويرى لوس أن الحل هو إعادة تعليم الليبراليين لغة الوطنية، وإعادة هيكلة رؤيتهم للداخل كي يصبحوا أكثر مراعاة للتنوع وتفاوتات المصالح في مجتمعاتهم.

وتتطابق رؤى لوس مع ما طرحه ديفيد جودهارت في كتابه “الطريق إلى مكان ما: ثورة الشعبويين ومستقبل السياسة”، حيث يرى أن صعود الشعبوية يُعد بمثابة “ثورة مضادة صامتة” (Silent Counter-Revolution) لمواجهة تهديدات العولمة للهوية والمصالح الاقتصادية للطبقات المهمشة وغير المستفيدة من الانفتاح الاقتصادي، ويوظف جودهارت مقولات “رونالد إنجلهارت” حول “تغير قيم ما بعد المادي” (Postmaterial Value Change)، وتصاعد اتجاهات الحفاظ على الهوية والخصوصية الثقافية.

 نهاية عصر التنوير: 

تناولت بعض كتب عام 2017 تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي على السياسة والمجتمعات، في إطار ما أطلق عليه عصر نهاية التنوير (The age of Unenlightenment) فكتاب “وهم المعرفة: لماذا لا نفكر أبدًا بمفردنا؟” يُشير إلى أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قامت بتغذية الوهم لدى الأفراد بمعرفة كل شيء، وهو ما يتنافى مع التقسيم الإدراكي للعمل (Cognitive Division of Labor)، وتوزيع معرفة الأفراد بين نطاقات مختلفة.

وتسببت وسائل التواصل الاجتماعي في التشكيك في جدوى الخبرة ودور الخبراء في المجتمع، وهو ما أكده كتاب “توم نيكولاس”، “موت الخبرة: الحملة ضد المعرفة العميقة ولماذا هي مهمة؟”، فالتكنولوجيا قد شجعت الأفراد على الخلط بين “الوصول للمعلومات” و”المعرفة”، وترتب على ذلك العداء للخبراء والنخب والتفكير العقلاني، ويصف نيكولاس هذه الحالة بقوله: “إن النظام التعليمي بات يعامل المدرسين كمحترفي تقديم خدمات وليسوا كأفراد يعرفون أكثر من طلابهم، والصحفيون يتم دفعهم لتقديم ما يريده الجمهور وليس ما ينبغي أن يعرفوه”، وهو ما ترتب عليه تآكل الحدود الفاصلة بين الحقيقة والكذب وانتشار الأخبار الكاذبة (Fake News).

أما كتاب “وسم الجمهورية: الديمقراطية المُقسمة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي” فيركز على الانعكاسات السياسية لهذه الظاهرة، وكيف أسهم التواصل الاجتماعي في تقويض الديمقراطية التمثيلية من خلال خلق “سجون معرفية” (Epistemic Prisons) نتيجة الانعزال بين الأفراد ونشأة “مجتمعات افتراضية مغلقة ومنعزلة” عن الواقع، وتغذية الانقسامات والتطرف في التفكير والحلول الراديكالية، وتراجع ثقافة التوافق والتفاوض والحلول الوسط. 

الصراع القادم في آسيا: 

هيمن على إصدارات عام 2017 التحذير من تفجر صدام مُحتمل بين القوى الكبرى في القارة الآسيوية، وتصدر هذا الاتجاه الأستاذ بجامعة هارفارد جراهام أليسون في كتابه “مقدرين للحرب: هل تتمكن أمريكا والصين من الإفلات من فخ ثوسيديدس؟”، وقصد أليسون بمصطلح “فخ ثيوسيديدس” (Thucydides Trap) الإشارة لتحليل المؤرخ الإغريقي لحرب البلوبونيز التي نشبت بين أثينا وإسبرطة نتيجة صعود قوة إسبرطة، وسعيها لتعزيز مكانتها، مما تسبب في الصدام مع القوة المهيمنة آنذاك “أثينا”، وفي هذا الصدد، يرى الكاتب أن حالة انتقال القوة (power Transition) في النظام العالمي عادةً ما تسببت عبر التاريخ في حدوث حرب بين القوة الصاعدة (الصين) والقوة المهيمنة (الولايات المتحدة)، وقد تنتج هذه الحرب صدامًا محدودًا في بحر الصين الجنوبي يترتب عليه “انزلاق” القوى الكبرى إلى مواجهة عسكرية مباشرة على غرار تسبب بعض الأحداث الفرعية في تفجر حروب عالمية كبرى.

ويفسر كتاب آخرون تصاعد احتمالية الصراع بين الولايات المتحدة والصين برؤية النخب الصاعدة في الصين لحتمية استعادة المكانة التاريخية ذات الطابع الإمبراطوري، وهو ما أشار إليه “هاوارد فرنش” في كتابه “كل شيء تحت السماوات: كيف أسهم الماضي في تشكيل الاندفاع الصيني للقوة العالمية”، حيث أكد على أن النسق العقيدي للرئيس الصيني تشي جين يهيمن عليه السعي لإحياء الإرث الإمبراطوري للصين التي وصل امتدادها التاريخي إلى آسيا الوسطى وشرق وجنوب شرق آسيا.

ويتفق مع هذه الأطروحة توم ميلر في كتابه “حلم الصين الآسيوي: بناء الإمبراطورية على طول طريق الحرير الجديد”، ويركز كتاب “برنارد كول” المعنون “سعي الصين للقوة العظمى: السفن والبترول والسياسة الخارجية” على تحليل سياسات تطوير وتحديث الأسطول الصيني وتنمية قوتها البحرية، والسعي للسيطرة على منابع النفط، ويعتبرها ضمن محفزات الصراع المُحتمل بين الصين والولايات المتحدة والقوى الآسيوية المتحالفة معها خاصة اليابان، ويستدل على ذلك بما صاحب تفجر الحرب الثانية من سباق تسلح بحري بين ألمانيا وبريطانيا، وسعي اليابان للسيطرة على تدفقات الطاقة.

ويؤكد الكاتب أن السياسة الخارجية الصينية لا تستهدف الولايات المتحدة، وإنما اليابان في المقام الأول، بسبب العداء التاريخي بين الدولتين، والنزاعات الحدودية المعقدة، وخبرة الاحتلال الياباني للصين التي لا تزال راسخة في الذاكرة الجمعية للشعب الصيني، وتتطابق هذه الرؤية مع ما طرحه “ريتشارد ماكجريجور” في كتابه “حسابات آسيا: الصراع من أجل الهيمنة العالمية” حول مثلث توازن القوى عبر المحيط الهادي الذي يضم الصين والولايات المتحدة واليابان، والذي يحدد مسار ووتيرة التفاعلات في القارة الآسيوية.

ويتنبأ مايكل جرين في كتابه “الاستراتيجية الكبرى والقوة الأمريكية في آسيا المحيط الهادئ منذ 1783″ بأن الولايات المتحدة لن تنسحب من المحيط الهادئ الذي يُعد “خط الدفاع المتقدم” عن الأمن القومي الأمريكي، كما أكد أن الانتشار العسكري الأمريكي في بحر الصين الجنوبي ستتصاعد كثافته مع استمرار الصعود الصيني والتهديدات النووية لكوريا الشمالية.

تهديدات التماسك الأوروبي: 

شغل مصير الاتحاد الأوروبي حيزًا كبيرًا من الجدل خلال عام 2017، وفي صدارة الكتب التي تعرضت لهذا الموضوع كتاب وليام دروزدياك “القارة المُقسمة: أزمات أوروبا ومصير الغرب”، إذ حدد الكتاب عدة تهديدات للمشروع الأوروبي من بينها “العجز الديمقراطي” (Demcratic Deficit) في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وحصار روسيا لدول أوروبا الشرقية مثل أوكرانيا، وأزمات تماسك التحالفات، بالإضافة إلى الانفصال البريطاني عن الاتحاد، والأزمات الاقتصادية داخل الدول الأوروبية الناتجة عن تصدع نموذج دولة الرفاه.

وترى ريتا تشين أن من ضمن أعراض معضلة الاتحاد الأوروبي “أزمة التعددية الثقافية في القارة الأوروبية”، حيث أكدت إخفاق سياسات الاستيعاب الثقافي في مختلف دول القارة، وصعود تيارات يمينية متطرفة مناهضة لهذه السياسات بالتوازي مع انتشار التطرف الديني للدفاع عن الخصوصية الثقافية في مواجهة سياسات استبعاد المظاهر الدينية من المجال العام.

ويطرح ريتارج ينوجز في كتابه “إعادة ضبط أوروبا: اتجاهات جديدة للاتحاد الأوروبي”، عدة مقترحات لمواجهة التهديدات سالفة الذكر، من بينها: دمج المجتمعات الأوروبية في بنية الاتحاد، والمشاركة المدنية في مؤسسات الاتحاد، والاعتراف بالتفاوتات الاقتصادية بين الدول الأوروبية والتعايش معها، وبناء نمط جديد من المواطنة الأوروبية يكفل الحفاظ على تماسك الاتحاد.

صعود القومية الروسية: 

كان الاهتمام بروسيا في صدارة أولويات الكتب الأكثر انتشارًا في عام 2017، فكتاب ماشا جيسين “المستقبل هو التاريخ: كيف استعادت الشمولية روسيا؟” يرى أن سقوط الاتحاد السوفيتي لم يؤدِّ للقضاء على الأيديولوجيا الشمولية التي ظلت كامنة حتى تم استدعاؤها خلال المد القومي للاحتجاج على تراجع وانحسار المكانة العالمية لروسيا، وهو ما ترتب عليه عودة سياسات الانغلاق المجتمعي، وملاحقة المعارضة، وتطلعات التوسع الخارجي التي كانت سائدة خلال فترة الحرب الباردة.

وركز كتاب أنطون شخوفستوف على العلاقة بين “روسيا واليمين الغربي المتطرف”، حيث أكد أن التقارب بين روسيا والتيارات اليمينية في الولايات المتحدة والدول الأوروبية يرجع إلى التقارب الأيديولوجي بين القومية الروسية وهذه التيارات، خاصة رفض التعددية الثقافية، ومعاداة الأجانب، والسعي لاستعادة المكانة العالمية، والانغلاق الاقتصادي، والتركيز على دور القيادة، والعداء لليبرالية، كما أن روسيا سعت لاستغلال هذه التيارات في اختراق الدول الغربية وتفكيكها من الداخل في إطار سياسات الاحتواء المضاد لمحاولات الدول الغربية لاختراق محيطها الجغرافي وعمقها الاستراتيجي.

ويطرح “ديمتري ترينين” سؤالًا مفاده: “ما الذي تفعله روسيا في الشرق الأوسط؟”، حيث يفسر الدور الروسي المتصاعد بعدم رضى موسكو عن الوضع الراهن للنظام الدولي، وسعيها لاستعادة مكانتها الدولية، كما أن “الربيع العربي” قد دفع روسيا للتدخل استباقيًّا لمنع محاولة الغرب تأجيج “ربيع روسي” على نمط “الثورات الملونة” التي شهدتها دول شرق أوروبا. حيث تعلمت روسيا من هزيمتها في أفغانستان، وسقوط حكم حلفائها في المنطقة العربية، أن “التحالفات في هذه المنطقة متغيرة وتكتيكية بطبيعتها فلا يوجد أصدقاء أو أعداء دائمون” وهو ما دفعها لتوسيع نطاق شبكة علاقاتها الإقليمية لتضم غالبية دول الشرق الأوسط والفاعلون من غير الدول.

ويرى ترينين أن موسكو قد أعطت الولايات المتحدة وحلفاءها درسًا في إدارة التدخل العسكري، حيث تمكنت من تثبيت حكم “نظام الأسد” في سوريا، وإدارة التفاوت في المصالح مع حلفائها، خاصة إيران، والاستفادة من الميليشيات التابعة لطهران مثل حزب الله اللبناني في دعم مصالحها، كما دفع الدعم الغربي للأكراد في سوريا لانتقال تركيا إلى المعسكر الروسي للدفاع عن مصالحها.

 ختامًا، تؤكد الاتجاهات الرئيسية لحركة النشر في العلاقات الدولية الصادرة في عام 2017 على أن عالم 2018 سوف تتحكم فيه عدة قوى محركة، في صدارتها: انحسار العولمة، ومشروعات الاندماج الإقليمي، واحتدام التنافس بين القوى الكبرى على الصدارة العالمية، وانتشار مظاهر عدم الاستقرار الداخلي، والصراعات الإقليمية، والحروب بالوكالة خاصة في مناطق التماس الحدودية بين نطاقات نفوذ القوى الكبرى مثل أقاليم آسيا الوسطى وشرق أوروبا والبلقان التي تواجه تهديدات لاستقرارها بالتوازي مع هشاشة الأوضاع الداخلية والانقسامات المجتمعية والعرقية والدينية والعداء للتعددية الثقافية والخبرة والمعرفة.

قائمة الكتب الواردة بالموضوع:

1- Richard N.Haass, A World in Disarray: American Foreign Policy and the Crisis of the Old Order, Penguin Press, 2017

2- Anne-Marie Slaughter, The Chessboard and the Web: Strategies of Connection in a Networked World, Yale University Press, 2017

3- Thomas J Wright, All Measures Short of War: The Contest for the 21st Century and the Future of American Power, Yale, 2017

4- Charlie Laderman, Brendan Simms, Donald Trump: The Making of a Worldview, IB Tauris, 2017

5- Joshua Green, Devil’s Bargain: Steve Bannon, Donald Trump and the Storming of the Presidency, Penguin Press, 2017

6- EJ Dionne, Norman Ornstein, Thomas Mann, One Nation After Trump: A Guide for the Perplexed, the Disillusioned, the Desperate and the Not-Yet-Deported, by St Martin’s Press, 2017

7- Hillary Rodham Clinton, What Happened?, Simon & Schuster, 2017

8- Stephen King, Grave New World: The End of Globalization, the Return of History, Yale University Press, 2017 

9- Bill Emmott, The Fate of the West: The Battle to Save the World’s Most Successful Political Idea, Economist Books, 2017

10- Finbarr Livesey, From Global to Local: The Making of Things and the End of Globalization, Profile, 2017 

11- Ivan Krastev, After Europe, University of Pennsylvania Press, 2017

12- Steve Richards, The Rise of the Outsiders: How Mainstream Politics Lost Its Way, Atlantic Books, 2017

13- Edward Luce, The Retreat of Western Liberalism, Atlantic Monthly Press, 2017

14- David Goodhart, The Road to Somewhere: The Populist Revolt and the Future of Politics, Hurst, 2017

15- Steven Sloman, Philip Fernbach, The Knowledge Illusion: Why We Never Think Alone, Macmillan, 2017

16- Tom Nichols, The Death of Expertise: The Campaign Against Established Knowledge and Why it Matters, Oxford University Press, 2017

17- Cass Sunstein, #republic: Divided Democracy in the Age of Social Media, Princeton University Press, 2017 

18- Graham Allison, Destined For War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap?, Houghton Mifflin Harcourt, 2017

19- Howard French, Everything Under The Heavens: How the Past Helps Shape China’s Push for Global Power, Scribe, 2017

20- Michael Green,  More Than Providence: Grand Strategy and American Power in the Asia Pacific Since 1783, Columbia University Press, 2017

21- Tom Miller, China’s Asian Dream: Empire Building along the New Silk Road, Zed Books, 2017

22- Bernard Cole, China’s Quest for Great Power: Ships, Oil and Foreign Policy, by Naval Institute Press, 2017

23- William Drozdiak, Fractured Continent: Europe’s Crises and the Fate of the West, Norton, 2017

24- Rita Chin, The Crisis of Multiculturalism in Europe: A History, Princeton University Press, 2017

25- Richard Youngs, Europe Reset: New Directions for the EU, IB Tauris, 2017

26- Masha Gessen, The Future is History: How Totalitarianism Reclaimed Russia, Riverhead, 2017

27- Serhii Plokhy, Allen Lane, Lost Kingdom: A History of Russian Nationalism from Ivan the Great to Vladimir Putin, Basic Books, 2017 

28- Anton Shekhovtsov, Russia and the Western Far Right: Tango Noir, Routledge, 2017

29- Dmitri Trenin, What Is Russia Up To in the Middle East?, Polity, 2017

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>